علاج الأمراض بالنوم

مقدمة:

لما كانت المعرفة في العصر الحديث تقوم على المنهج العلمي، فإن العلماء يدرسون الأمور المستعصية عن طريق التجربة والاختبار. وقد بدأ علم النفس، في القرن العشرين، بدرس الظاهرات الخارقة التي عجزت عن دراستها المدرسة السلوكية. وكذلك، بدأ بدراسة باطن الإنسان وتوجيه تفكيره إلى الداخل بعد توجيهه إلى الخارج. وأمسى العلماء في غنى عن إقحام المسائل الفلسفية في حقل التجارب النفسية التي تعتمد على قواعد فسيولوجية. وبتقدُّم العلم واستعمال الأجهزة الدقيقة، يحاول العلماء أن يعرفوا الكثير عن النوم.
في الآونة الأخيرة، طبَّق العلماء تجاربهم على مجموعة من الحيوانات وذلك لكي تتسنى لهم دراسة واقعية للموضوع. وانتقلوا، بعد ذلك، إلى دراسة الإنسان عاملين على كشف النقاب عن هذا السر العظيم الذي نسميه النوم.

وفي دراسة كهذه، علماً بأن الدراسات التجريبية لم تكتمل ولم يصل العلماء إلى نتائج إيجابية كافية، لا نستطيع أن نتحدث بدقة نرجو منها الوضوح والحقيقة. لكننا نستطيع أن نتقدم ببعض الأمثلة الدقيقة التي لا تزال موضع تجربة في الوقت الحاضر.

في دراستهم للنوم، أقام العلماء تجاربهم على بعض النائمين، فقاسوا ترددات موجات أدمغتهم. وقد وجدوا أن ترددات هذه الموجات تختلف من حين لآخر وفق صور الأفكار والمشاعر والأحاسيس والانعكاسات الطارئة على الدماغ. وقد برهنت هذه الدراسة الاختبارية عن وجود موجات سريعة وبطيئة ومتوسطة تتغير مع حالة الحلم. وأدرك هؤلاء المجرِّبون، بعد دراستهم لهذه الموجات، الأوقات التي يتم بها الحلم. فقد عمدوا إلى إيقاظ النائم الحالم في مثل هذه الفترات لمعرفة أنواع الموجات وعلاقتها بصور الأفكار، أي الأحلام. واستطاعوا أن يخلصوا، نوعاً ما، إلى نتائج ستكون دعائم ومقومات لدراسة من هذا النوع في المستقبل.

وعلى الرغم من دراستهم هذه، لم يُدرِكوا النوم بمعناه الحقيقي، ولم يستطيعوا أن يعيِّنوا المناطق التي تعمل في الدماغ أكثر من غيرها، وما إن كان النائم قادراً على التأثير فيها. لكنهم ركزوا على المناطق السفلى من الدماغ واعتبروها الأماكن الحساسة التي تعمل أثناء النوم. وبالإضافة إلى ذلك، تركزت ملاحظاتهم على حركة العينين أثناء النوم. وقد دلت هذه الحركة على نوعية الحلم، من حيث إن تموُّجاتها تدل على شدة الانطباعات أو خفَّتها.

لم يُغفِل العلماء دراسة مفهوم الوعي أثناء النوم. فقد أكَّد بعضهم على عدم وجوده. وأعادوا فقدان الوعي إلى فشل الأقسام السفلى في إرسال الانعكاسات العصبية إلى الأقسام العليا من الدماغ. وهكذا تكون عملية النوم، في رأيهم، حالة عدم الاستجابة من الوجهة العلمية. ولقد تجاوزت درجات النوم العميق، المعبَّر عنها بالاستغراق الروحي، تجارب العلماء. هذا، لأن المستغرقين بعمق كانوا قادرين على توجيه موجات أدمغتهم أثناء استرسالهم في الغيبوبة الروحية، الأمر الذي برهن على حقيقة تجاوز تجربة القياس.

يمكننا أن نقول: إن دراسة من هذا النوع تحتاج إلى فترة زمنية طويلة حتى يستطيع العلماء أن يقولوا كلمتهم فيها. ومع ذلك، نستطيع أن نضع بعض النقاط التي تساعدنا على إنهاء الموضوع على نحو يدعو إلى الاستفهام:
1. تنشأ صعوبة دراسة النوم من صعوبة دراسة اليقظة.
2. تنشأ أيضاً من صعوبة التمييز بين أنواع الفكر.
3. تتمثل الصعوبة في دراسة الانتقال من حالة اليقظة إلى حالة النوم.
4. لا تقر الدراسة العلمية بوجود عامل غير مرئي، كالروح مثلاً، في مجال التجربة الحسية.
5. تُعَدُّ حالة النوم غوصاً إلى عالم اللاوعي، الذي هو دفق الطاقة الروحية، المتميِّز عن حالة الوعي الذي تمتاز به اليقظة، الأمر الذي يجعلنا نعتبره موتاً مؤقتاً.

يقضى الطفل أكثر من نصف وقته نائما، بينما نقضى نحن الكبار حوالي 8 ساعات يوميا في النوم أي ما يعادل ثلث حياتنا تقريبا، فإذا افترضتا أن متوسط عمر الإنسان 75 عاما، كما هو الحال في الدول المتقدمة، فان متوسط ما يقضيه الفرد منها في النوم حوالي 25 عاما أي ربع قرن. هذه السنوات ليست عمراً ضائعا كما يبدو للوهلة الأولى، فالنوم إحدى الحاجات البيولوجية الهامة للإنسان مثله مثل الطعام والشراب ورغم أننا نقضي ثلث عمرنا في النوم ، إلا أننا لا نعلم إلا القليل عن النوم مقارنة بالاحتياجات الأخرى. والفكرة السائدة بين العلماء هي أن للنوم وظيفة مرممة وشافية للدماغ . وليس الدماغ هو المستفيد الوحيد من النوم، بل إن في النوم سكنا وراحة للجسم كله.

قال تعالى: “ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيها والنهار مبصرا ” النمل 86. ولكن بعض الناس – وللأسف الشديد – يقلب ليله نهارا، ونهاره ليلا وخاصة في رمضان.
والحقيقة أن في الدماغ ما يسمى بالساعة البيولوجية التي تجعلنا نستيقظ من النوم في ساعة محددة كل صباح ، وتشعرنا بالنعاس في الوقت ذاته من كل مساء إذا ما اعتدنا على ذلك. ولا ينفرد الإنسان بوجود هذه الساعة بل هي موجودة عند الحيوانات أيضا . فمن المعروف أن الصراصير والبوم والخفاش والجرذان تنشط ليلا وتهجع في النهار ، بينما الحيوانات الأخرى يكون نشاطها الأعظم أثناء النهار . وقد تم نقل نحلات من منطقة باريس إلى نيويورك فلوحظ أنها تنطلق للحقول لجمع الرحيق في نيويورك عندما يحين موعد جمع الرحيق في باريس. وليس موعد الجمع في نيويورك ، إذ أن ساعتها البيولوجية ما زالت مبرمجة على توقيت باريس . ويعتقد الباحثون أن الغدة الصنوبرية التي تفرز الميلاتونين هي التي تمثل الساعة البيولوجية عنده . وعندما ينتقل أحدنا غربا إلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية ، حيث يتأخر الوقت نحو 12 ساعة ، نلاحظ أنه ينشط عندما يحين منتصف الليل . فجسمنا مبرمج لأن نكون نشيطين في الساعة 12 ظهرا حسب توقيت بلادنا ، أي عندما ينتصف الليل في نصف الكرة الآخر ، والعكس صحيح . من أجل ذلك تضطرب حياة من يضطر بحكم عمله إلى الانتقال باستمرار شرقا وغربا، كما هو الحال مع أطقم الطائرات، وكذلك حياة من يضطرون للقيام بمناوبات ليلية ونهارية كالممرضات. وينطبق على ذلك من يحيلون ليلهم إلى نهار ونهارهم إلى ليل .

فإذا عملت أثناء الليل أو سافرت لمسافة بعيدة بالطائرة، فربما تتكيف ساعة الجسم مع التوقيت الجديد للنوم، ولكن قد يحتاج ذلك إلى بضعة أيام. وقد يشكو هؤلاء خلال ذلك من بعض الأعراض التي تشمل الأرق والإعياء والصداع وضعف التركيز. وتشير الدراسات الأولية إلى أن استخدام حبوب الميلاتونين يمكن أن يفيد في التخفيف من أعراض السفر الطويل .

وقد أكد الأطباء أن أهنأ نوم هو ما كان في أوائل الليل ، وأن ساعة نوم قبل منتصف الليل تعدل ساعات من النوم المتأخر ، ويقول الدكتور “شابيرو” في كتاب Body Clock : إن الذهاب إلى النوم في وقت محدد كل مساء والاستيقاظ في وقت معين كل صباح لا يحسن نشاط المرء في النهار فحسب ، بل يهيئ الشخص لنوم جيد في الليلة التالية . ويقول البروفسور “أوزولد : ” إذا كنت تريد أن تنام بسرعة حين تخلد إلى النوم فانهض باكرا في الصباح . وافعل ذلك بانتظام ، فبذلك تحصل على أفضل أنواع النوم . وتكون أكثر سعادة وأعظم نشاطا طوال النهار .

أليس هذا ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ! ألم يقل عليه الصلاة والسلام : ” إياك والسمر بعد هدأة الرجل ، فإنكم لا تدرون ما يأتي الله في خلقه ” . فلم يكن الصحابة يسهرون الليالي الطوال يتحادثون ويتسامرون ، بل كانوا ينامون بعد فترة قصيرة من العشاء . وفي ليالي رمضان يطيب قيام الليل لا بالحديث والسمر، بل بالصلاة والتقرب إلى الله تعالى. وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة داود عليه السلام فقال : ” أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه ، ويصوم يوما ، ويفطر يوما ” متفق عليه .

ولا شك أن في قيام الليل رياضة روحية وجسدية . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” عليكم بقيام الليل ، فإنه دأب الصالحين من قبلكم ، وهو مطردة للداء عن الجسد ” رواه أحمد والحاكم . فلنجعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه قدوة لنا في رمضان نأخذ قسطا وافيا من النوم، ثم نقوم لقيام الليل، ونعمل في النهار بلا كسل ولا فتور.

في هذه الأيام، يحاول كثير من الناس اختصار ساعات نومهم لإنجاز مزيد من الأعمال أو للاستمتاع والترفيه، وحجتهم في ذلك أن الحياة أقصر من أن نضيع ما يقرب من ثلثها في النوم. وإلى هؤلاء نقول: هل يستطيع الجنود مثلا الاستمرار في المعركة لأيام أو شهور دون نوم حتى يتحقق النصر ؟ هل يستطيع الطيار أن يطير حول العالم دون توقف أو نوم؟ هل يستطيع الطالب الاستمرار في تلقى الدروس ومذاكرتها من أول العام الدراسي حتى آخر ه دون أن ينام؟ هل يستطيع الجراح إجراء عملياته الجراحية ليل نهار دون أن ينال قسطا من النوم.. والأمثلة لا تنتهي. إن الحياة تبدو مستحيلة بدون النوم.



الصاقوط محمد

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *