يستقصي هذا الكتاب التحولات العميقة التي طرأت على المشهد السياسي المغربي في ظل الثورة الرقمية، متخذاً من “السياسة الافتراضية” موضوعاً للتشريح والتحليل. يطرح المؤلف إشكالية مركزية تدور حول مدى قدرة الفضاء الرقمي، بخوارزمياته ومنصاته الجديدة، على إعادة تشكيل موازين القوى بين المؤسسات السياسية التقليدية (الدولة، الأحزاب، النقابات) وبين الفاعلين الجدد (المؤثرين، التنسيقيات، والجمهور الرقمي).اعتمدت الدراسة على مقاربة سوسيولوجية ونقدية لتحليل خمسة محاور أساسية:
1. انتقال الخطاب: من “لغة الخشب” الرسمية إلى لغة “الميم” والساخر والدارجة المغربية، وكيف أصبحت السخرية أداة للمقاومة السياسية.
2. هندسة الرأي العام: دور الكتائب الإلكترونية، البروباغندا الرقمية، وخطاب “ما بعد الحقيقة” في صناعة الإجماع الوهمي أو تفتيت الثقة في المؤسسات.
3. الفاعلون الجدد: صعود التنسيقيات الفئوية والمؤثرين كبدائل للوساطة الحزبية التقليدية، وتحليل سلطة “المقاطع” كأداة ضغط اقتصادي وسياسي.
4. المقاربة القانونية والأمنية: الصراع بين حرية التعبير الرقمي ومطرقة القانون الجنائي، وآليات الضبط واليقظة الرقمية التي تنهجها السلطة.
5. الاستشراف المستقبلي: قراءة في رهانات انتخابات 2026، وتحديات السيادة الرقمية المغربية في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.خلص الكتاب إلى أن المغرب يعيش مرحلة “سيولة سياسية”، حيث لم يعد الفضاء الافتراضي مجرد مرآة للواقع، بل أصبح مختبراً تُصنع فيه القرارات وتُسقط فيه الهيمنة التقليدية. ويؤكد المؤلف أن مستقبل الديمقراطية المغربية رهين بقدرة الدولة والمجتمع على صياغة “عقد اجتماعي رقمي” يوازن بين الانفتاح التكنولوجي والأمن القومي، وبين حرية الفرد وهيبة المؤسسات.الكلمات المفتاحية: السياسة الافتراضية، المغرب، الخوارزميات، الكتائب الإلكترونية، المقاطعة الرقمية، انتخابات 2026، السيادة الرقمية، ما بعد الحقيقة.
مقدمة: “المغرب الرقمي.. حينما تسكن السياسةُ الهواتفَ الذكية” لم يعد “المجال العمومي” في المغرب مجرد ساحاتٍ عمومية، أو مقاهٍ يضج فيها النقاش، أو مؤسساتٍ حزبية عتيقة؛ بل انتقل الثقلُ الحيوي لصناعة القرار وصياغة الوعي إلى فضاءاتٍ افتراضية لا تنام. خلف شاشات الهواتف الذكية، وفي دهاليز “فيسبوك” وأروقة “تيك توك” و”إكس”، تولد اليوم السياسة المغربية الجديدة، وتُصنع الزعامات، وتُسقط الأجندات، وتُخاض معاركُ “الهاشتاغ” التي أضحت أقوى أحياناً من فصاحة الخطب البرلمانية. يأتي هذا الكتاب، “السياسة الافتراضية بالمغرب”، ليحاول فك الشفرات المعقدة للعلاقة بين الإعلام الجديد والحقل السياسي المغربي. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد “وسائل تواصل”، بل عن “سلطة خامسة” متمردة، خلخلت المفاهيم التقليدية للوساطة الحزبية، وكسرت احتكار المعلومة، وأجبرت الفاعل السياسي — رسمياً كان أو معارضاً — على إعادة النظر في لغته، وهويته، وأدوات تأثيره. إن المشهد المغربي المعاصر يمثل حالة دراسية فريدة؛ فبينما يخطو المسار الديمقراطي خطواته نحو النضج، اصطدم بجدار “الرقمنة” التي منحت الصوت لمن لا صوت له، لكنها في الوقت ذاته فتحت الأبواب أمام “الكتائب الإلكترونية”، وخطابات التشهير، وهندسة الرأي العام عبر الخوارزميات. هل نحن أمام “ديمقراطية رقمية” تعزز الشفافية والمساءلة؟ أم أننا بصدد “فوضى افتراضية” تهدد استقرار المؤسسات وتُفرغ النقاش السياسي من محتواه الرصين؟ من خلال فصول هذا الكتاب، سنغوص في تحليل صراع الخطاب بين لغة المؤسسات وجسارة “المؤثرين”، ونرصد تشكل الفاعلين الجدد الذين برزوا من رحم “اللايك” و”المشاركة”، لنصل في النهاية إلى استشراف مستقبل الانتقال الديمقراطي في بلدٍ يجد نفسه اليوم مضطراً للتوفيق بين صرامة النص القانوني وانفلات “الشارع الافتراضي”. هذا الكتاب ليس مجرد توثيق لمرحلة، بل هو محاولة لفهم كيف يعيد المغرب تشكيل ذاته سياسياً في “عصر الشبكة”، وكيف يمكن للمواطنة الرقمية أن تكون رافعة للبناء الديمقراطي في زمن التزييف العميق والاستقطاب الحاد. الأستاذ الصاقوط محمد.