إن لم تنجح الأديان بإقناعك بواجب الصوم، ولم تجرّك إليه العادات والطقوس والالتزام الأدبي والاجتماعي فقد يقنعك بالأمر كتاب « علاج الأمراض بالصوم ». والأرجح أن يقنعك بالصيام، إن لم يكن من أجل هدفٍ ديني، فمن أجل أهداف علاجية ومن أجل ضرورة وقاية الجسد والصحة النفسية. وبداية، يتعلق الأمر بكتاب علمي عن الصوم علاجيا الذي يختلف قليلاً عن الصوم دينياً، وإن تقاطع معه في خطوط كثيرة.
تطهير الخلايا والأنسجة
من المعلوم أن الصوم العلمي يتمثّل في الامتناع المتواصل من دون تناول إفطار عند الغروب يومياً، لأيام أو أسابيع عدّة! لا شيء يمكن تناوله في هذا الصوم العلاجي سوى الماء، وإن احتاج الأمر فقليل من عصير الليمون المساعد. كما يتطلّب هذا النوع من الصيام نوماً متطاولا من أجل توفير الطاقة المتبقية في جسد الصائم مما يحفز خلايا جسمه على إنجاز أعمالٍ علاجية تتضمّن تطهيراً لأنسجة الجسد كافة.
يشرح الكتاب في شكل تفصيلي آليات عمل الخلايا ونُظُم دفاع الجسم عن نفسه، وإمكاناته الهائلة. ويفصّل سلوك الخلايا والأنسجة في حال الصيام ليستنتج بصورة ملموسة فوائد الصيام العلاجي ودوره في تجديد خلايا الجسم وتحفيز وظائفها.
يعرض الكتاب تجارب عدد من الأطباء الأميركيين والكنديين كما يستنطق شهادات عشرات الأشخاص ممن كانوا يشكون من أمراض وأعراض مزمنة ثم نجحت عيادات الصيام العلمي في شفائهم بصورة شبه كليّة. ويورد الكتاب أن الصوم شفاء محاني وبيئة روحية مناسبة تتيح للجسم الخضوع لعملياتٍ طبية معقدة ينفّذها بنفسه على نفسه، من دون الحاجة إلى مبضع أو بنج أو عقاقير. ففي حال الصيام يلجأ الجسم إلى استراتيجية جديدة للحصول على القوة، خصوصاً أنه في حال بحث دائم عن الوقود والمعادن كي يستعملها في الحفاظ على نفسه. بقول آخر يبدو الكتاب وكأنه يقول إن الصيام يدفع الجسم ليأكل نفسه بنفسه كي يتجدد. وبذا يدافع الجسم عن نفسه بسلاح أسطوري من ملايين الخلايا المختصة التي سرعان ما تنخرط في عملية من التفكك الذاتي، تؤدي إلى انحلال الأنسجة المستهلكة كي تستبدل بأنسجة جديدة.
يشدّد الكتاب على أن ابتعاد الحياة المعاصرة عن الغذاء النباتي وعن العيش بشروط البيئة الطبيعية يخرّب النظام البيولوجي الطبيعي للجسم ويخنق خلاياه وأنسجته تدريجاً بمواد سامّة تعطل عملها. يعني ذلك أن التسمم البيئي منتشر في كل مكان، وليس في إمكان الإنسان المعاصر تجنّبه ولا تلافي ملوّثاته.
ينبّه الكتاب إلى أن معظم الناس مرضى إلى هذا الحد أو ذاك. لا تسير هذه الكلمات على المعنى المجازى بل تقصد القول إن معظم البشر مرضى فعلياً، لكنهم يجهلون ذلك. ويلفت إلى أن كثيرين يعترفون بأن نمط حياتهم وغذائهم لا يحميهم من إدخال السموم إلى أجسامهم. فوفق الطبيب الأميركي “بوب أوين”، من الممكن إيجاد صلة بين كثير من الأمراض من جهة، والتسمّم البيئي المنتشر من جهة أخرى.
ويلفت الكتاب إلى أن الطب الأكاديمي يلجأ أحياناً إلى إدخال سموم في الجسم كي يقتلع أخرى، كالحال عند استعمال الأدوية المُضادة للحيوية (أنتي بيوتيك) في علاج الأمراض الناجمة عن البكتيريا وسمومها. فبعد 12 سنة من ممارسته هذا النوع من الطب قرّر الطبيب الأميركي “راسل ترال” رفض الوسائل الطبية التي تعلمها في الجامعة لأن التجربة معها خيّبت أماله بل أكدّت له سميّة العقاقير ذات المنشأ الكيماوي.
الصيام طب المستقبل
ويلفت كتاب ” علاج الأمراض بالصوم” – متعة روحية وجسدية تجدد الشباب وتشفي من الأمراض إلى تأكيد عشرات الأطباء فوائد الصوم خصوصاً أولئك الذين آمنوا به إلى حدّ أنهم اختبروه على أنفسهم وآلاف من مرضاهم. وبحسب الكندي “جان روكان”، وهو مختص في البيولوجيا، فإن الصيام هو طب المستقبل.
ويتيح الصوم التعرّف إلى الطاقات الضخمة الكامنة في الجسم. المعلوم أن جسد الإنسان يدافع عن نفسه بأسلحة مختلفة تبتدعها الخلايا كما يستعمل تقنيات تبتكرها نُظُمه الداخلية ويجنّد جيوشاً مساندة من الأجسام المناعية المُضادة ، وتؤرشفها في ذاكرةٍ مختصّة تصعب مراوغتها.
في حال الصيام يهندس الجسد شفاءه بنفسه، وفق قواعد يستنبطها بنفسه. مثلاً، يعمد الجسم إلى تفتيت الدهون والفضلات مثل مستودعات الكولسترول والصفائح الدهنية للأوردة والترسبات الكلسية في الشرايين وغيرها.
أثناء الصيام يتغذّى جسمنا من مخزونا ته الاحتياطية من السكر والدهن والبروتين والفيتامين والمعادن وغيرها. بقول آخر يعمل الجسد كآلة ذاتية التأهيل ورفيعة المستوى وعالية الكفاءة. خلال الحرمان من الطاقة يعمل الجسد على تشخيص مشاكله بنفسه، ويفتت الأنسجة المُصابة، ويعيد استعمال المواد المترسبة فيه، كي يبني أنسجة جديدة متعافية وسليمة. ووفق الكتاب يتضمّن الصوم رحلة داخلية رائعة تتحرّك فيها القوى النفسية والعقلية التي كانت مكبوحة. إنه محرّض ومنشّط لحياة الجسد البيولوجية إضافة إلى كونه محفّزاً قوياً على تمتين حال الإنسان نفسياً. فعند قطع الرباط الثقيل الذي يصل الجسد بغذائه اليومي، تنشط الروح وتنتعش وينفتح الباب أمام نسج علاقات حميمة مع الذات.
ونختتم الكتاب بأسئلة عما إذا كان الصوم لا يزال أمراً مرغوباً فيه ونافعا في مجتمعات تركز اقتصادياتها واستمرارها على الاستهلاك بل المزيد منه باستمرار فنقول في الصفحة الأخيرة «نحن لا نقدّر القيمة العلاجية للصوم لأننا نجهل المبادئ التي تدير صحتنا. لم نتعلم كيف يعمل الجسم البشري مع أن جسمنا هو الشريك الأهم في حياتنا. يهتم كثيرون منا بسياراتهم أكثر من أجسا دهم.
مما سبق ليس سوى غيض من فيض المعلومات التي يحملها كتاب « علاج الأمراض بالصوم » على امتداد صفحاته. وقد وزعته في ثلاثة عشر فصلاً، تناولت فيها مواضيع مرتبطة بوظائف خلايا الجسم وأنسجته ودور الصوم في تحفيز الوظائف العلاجية لهذه الخلايا.
يتّبع الكتاب منهجية علمية تهتم بالتفاصيل وترتكز عليها، مما يدل على التعمّق، والتخصص العلمي في البحث. املين من الله عزوجل ان يوفقنا لما هو خير لامتنا.